نبيل الأندلسي - مرضى السرطان و وزارة الصحة: “الألم” يستشرف “الأمل”

بقلم نبيل الأندلسي

قبل أزيد من خمس سنوات تبنت الدولة المغربية مبادرة نوعية بإعتمادها المخطط الوطني للوقاية ومراقبة السرطان، وذلك وفق شراكة ما بين وزارة الصحة وجمعية للا سلمى لمحارة داء السرطان. وهو المخطط المندرج في إطار المقرر 5822 المعتمد في ماي 2005 من طرف الجمعية العالمية للصحة، التي أوصت فيه – هذه الأخيرة – كافةَ الدولِ بالعمل على تعزيز وتكثيف المجهوداتِ لمحاربة داء السرطان، من خلال إعداد مخططات تتوافق وتتناسب والسياق الاجتماعي والاقتصادي لبلدانها.

وطبعا ومن بين أهم مبادرات الإنجاز التي قامت بها وزارة الصحة في هذا السياق، بالإضافة إلى اعتماد المخطط الوطني، هو تفعيل مبدأ تقريب العلاجات من المرضى، وفي هذا الإطار وبمبادرة ملكية لقيت استحسان الجميع تأسس المركز الجهوي للأنكولوجيا بالحسيمة (كحالة من بين حالات أستحضرها لمقاربة الإشكاليات من خلال نموذج أَعرفُ الكثير من تفاصيله) ، خاصة وأن سكان منطقة الريف المغربي من المعرضين للإصابة بهذا المرض الخبيث بسبب إستعمال الغازات السامية إبان الفترة الاستعمارية وتعرض أجدادنا لإشعاعاتها القاتلة والمتنقلة جينيا، وهو ما يجعل معدل الإصابة بهذا المرض مرتفعا بهذه المناطق وفق ما بينته دراسات وأبحاث حول الموضوع.

إن السؤال الذي أود أن أطرحه من خلال هذا المقال، هو سؤال فعالية هذا المركز ومن خلاله باقي مراكز الأنكولوجيا بربوع الوطن، وإنجازات وزراة الصحة لفائدة هؤلاء المرضى، وأساسا الفقراء منهم من أبناء المغرب العميق أو على الأقل طرح بعض الاختلالات المسجلة والتي يمكن أن تتكرر في أكثر من مركز إستشفائي.

وهنا يجب التأكيد، على أن مجهودات السيد وزير الصحة ومبادراته النوعية لتأهيل القطاع عموما، مجهودات معتبرةٌ ولاشك، لكن ثقل “ما يجب إنجازُه” يغطي مع الأسف على “ما يتمُ وتمَ إنجازه” ، والنقد البناء طبعا منهج لتصحيح الأخطاء وتدارك النقص، لذا سأقتصر في مقالي هذا على واقع مركز الانكولوجيا بالحسيمة، كنموذج اطلعت من خلاله على جزء من معاناة مرضى السرطان وعِلَل المنظومة الصحية ببلادنا، والتي تحتاج مجهوداتنا جميعا للرفع من مستواها وتدارك الخصاص، كل من موقعه، وأساسا السيد وزير الصحة بصفته مشرفا على هذا القطاع الحكومي المهم.

إن مركز الأنكولوجيا بالحسيمة نموذج مصغر لاختلالات القطاع الصحي ببلادنا، ويؤكدُ عدمَ وجودِ رؤيةٍ واضحةٍ للعمل، وهنا أطرح بعض المفارقات المؤلمة للإستدلال على هذا الأمر، من خلال تقييم الأداء وكشف النواقص والمفارقات، متسائلا مع كل من يهمه الأمر، على سبيل المثال لا الحصر، كيف نفهم – مثلا – عدم قيام المركز المذكور بالعلاج الإشعاعي الموضعي Curiethérapie رغم أن المركز كان يتوفر على أحدث التجهيزات الضرورية Curietron HDR  ، السبب مع الأسف هو قلة تقنيي الأشعة، حتى أصبح الجهاز غير صالح نظرا لانتهاء مدة صلاحية الجهاز بسبب عدم التشغيل، أليس هذا نموذجا لمقاربة وضع الحصان خلف العربة، إذ ما معنى أن نشتري أجهزة بدون وجود من يشغلها أو العكس، وهو ما يحيلني على مثال آخر في المستشفى الجهوي محمد الخامس بالحسيمة حيث تم تعيين طبيب متخصص في أمراض الجهاز الهضمي لكن المستشفى لا يتوفر على أبسط التجهيزات الضرورية لقيام الطبيب بالتشخيص وهو منظار الكشف (أخبرني أحد الأطباء أن ثمن المنظار في حدود 700 ألف درهم)، لهذا يضطر الطبيب المختصُ إرسالَ المرضى إلى مستشفى وجدة وهو ما يجعل أغلبهم يلتجؤون إلى الطب الخاص للتشخيص بالحسيمة بدل السفر لوجدة. أليس هذا تقصيراً في علاج المرضى، ألا تستطيع الوزارة توفير جهاز يساوي 70 مليون سنتيم لرفع المعاناة عن آلاف المواطنين خاصة وأن مستشفى محمد الخامس يستقبل المرضى من أكثر من إقليم (الحسيمة، الدريوش ، تازة تاونات والجبهة..).

وعودة إلى مركز الأنكولوجيا بالحسيمة، كيف يعقل السيد الوزير المحترم، أن مصلحة الاستشفاء ذات الطاقة الاستيعابية 32 سرير “افتراضي” لم تشغل منذ افتتاح المركز من طرف جلالة الملك، وذلك بسبب عدم توفر المركز على الموارد البشرية الضرورية والتجهيزات المناسبة في مصالح الدعم واللوجيستيك، كيف يمكن الحديث السيد الوزير، عن علاج مرضى السرطان بمنطقة الريف وتقريب العلاج في حين أن جهاز المحاكاة Simulateur  المتوفر بالمركز تقليدي ومتجاوز بحيث يسمح فقط بعلاجات في بعدين فقط (2 dimensions)  ، وهذه الطريق العلاجية ، كما لا يخفى عليكم وكما شرح لي أهل الإختصاص مشكورين، تغطي فقط 30 إلى 40 بالمئة من المرضى، بالإضافة إلى أنه لا يسمح بعلاج دقيق للمرضى الذين يعانون من سرطان يتمركز في الجهاز الهضمي مثلا، أو في الحنجرة أو في الصدر أو في الجهاز العصبي.. بحيث أن هؤلاء المرضى يحتاجون إلى علاج بالأشعة ثلاثي الأبعاد (3 dimensions) وهو ما يجعل أطر المركز يوجهونَهم مضطرينَ إلى وجدة بعدما رفض المستشفى الجامعي بفاس استقبال هذه الحالات الوافدة من الحسيمة بمبرر وجود مركز بهذه الأخيرة وبأن الطاقة الاستيعابية للمستشفى بفاس لا تتحمل المزيد..بل كيف يعقل أن نتحدث عن مركز للانكولوجيا بدون جهاز السكانير وبدون قسم للجراحة وبدون عدد كاف من التقنيين المتخصصين وبدون إيواء..

فعلا وزارة الصحة، ووزير الصحة الدكتور الحسين الوردي، لا يتحمل كل المسؤولية لكنه كمسؤول على القطاع يتحمل الجزء الأوفر من هذه المسؤولية، وثقل “ماهو كائن” يجب ألا يمنعنا من السعي للعمل من أجل “ما يجب أن يكون” خاصة في قطاع حساس يُعنى بصحة المواطنين والمواطنات، وهو شيء مقدس لارتباطه بالحياة وبكرامة الإنسان، وفي ختام هذا المقال أتوجه برسالة تقدير لمن زودني بكثير من المعطيات حول الموضوع، وبرسالة شكر للطاقم الشبه طبي والطبي العاملين بمركز الحسيمة للأنكولوجيا وبمختلف مراكز الأنكولوجيا بالمغرب، العاملين بصدق وإخلاص، وبين ثنايا الكلمات رسالة ألمٍ لصناعةِ أملٍ للسيد الوزير لعله يتحرك للوقوف عن هذه الاختلالات، وشفى الله جميع المرضى شفاءً لا يغادرُ سقما، فسبحانه ما أنزل داءً إلا أنزلَ له الدواء.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا